خطرات و ومضات في أنباء الغيب
(104) في قوله تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ يس: 40؛ تعبير عن الأرض بجهتيها في مواجهة الشمس خلال حركتها في مدارها, فلا يسبق أحد الجهتين الآخر, وتقديم الليل يتفق مع جمع حركة الأرض حول نفسها مع حركتها في مدارها جهة الليل؛ لأن كلا الحركتين في نفس الاتجاه, بينما تُطرح حركتها حول نفسها جهة النهار لأنها عكس الاتجاه, فجهة الليل أسرع بالنسبة للفضاء لكنها لا تسبق جهة النهار؛ لأنهما جهتان لنفس الجرم المُقَدَّر الحركة مثل كل الأجرام.
(105) جعلت الكنيسة القول بحركة الأرض حول الشمس هرطقة, فآثر نيكولاس كوبرنيكوس ألا ينشر كتابه المؤيد لحركة الأرض حول الشمس إلا عام وفاته: 1543, لكنها أحرقت جيوردانو برونو عام 1600, وحاكمت جاليليو جاليلي عام 1632 لاكتشافه باستخدام تلسكوب بدائي أن أقمار المشتري تدور حوله وليس حول الأرض؛ بينما يحث الإسلام علي النظر إلى الكون ويُبَجِّل أهل العلم المنصفين: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ سبأ: 6.
(106) ثبت أن ألبان المواشي تضر بالرضيع البشري, وفي مقام الوصية بتحمل الأب نفقة الإرضاع؛ قال تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ الطلاق: 6, وقد خيرت الوصية بين إرضاع الأم للوليد أو ترضعه سواها, ولم يرد في الوصية أن يرضع من ألبان المواشي رغم توفرها في البيئة العربية.
(107) ثبت أن ألبان المواشي تضر بالرضيع البشري حتى يكمل عامين ويمكنه الاستفادة منها بلا ضرر, وفي مقام تفضيل إرضاع الأم لوليدها؛ قال تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَاد أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ البقرة: 233.
(108) يتزايد عدد الشهب وسرعتها بعد منتصف الليل؛ وتبلغ الشهب الدرجة القصوى من الكثرة والسرعة عند الصبح؛ لأنه الفترة التي تواجه فيها الشهب جبهة الأرض خلال حركتها في مدارها فتضاف السرعتين؛ وهي الفترة التي اختيرت في القرآن الكريم حيث يقع أقصى عذاب بالرجوم: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ هود: 81-83.
(109) بخلاف الحركة الظاهرية للأجرام السماوية حول الأرض, يصرح القرآن الكريم أن أهلها هم الذين يمرون على المعالم السماوية وهم على ظهرها ولا يعتبرون بدلائل قدرته تعالى؛ كما يمرون على معالم الأرض وهم على ظهر المركوبات ولا يعتبرون: وَكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون َ يوسف: 105, فسميت المعالم آيات, وفي تفسير الميزان: "ولو حُمل قوله (يَمُرّونَ عَلَيْهَا) على التصريح دون الكناية كان من الدليل على .. حركة الأرض.., فإنا نحن المارون على الأجرام السماوية بحركة الأرض (اليومية والسنوية)..؛ (بعكس) ما يُخيل إلينا في ظاهر الحس”.
(110) كان المعتقد أن الأجرام السماوية ثابتة لا تتحرك بذاتها؛ وإنما بحركة أفلاكها الشفافة, ولكن القرآن الكريم يعلن صريحًا حركتها بذاتها وجريها بسرعات بالغة في مداراتها, فيسبق مآثر الكشوف العلمية اليوم: كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى فاطر: 13؛ والزمر: 5, كُلّ يَجْرِيَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى لقمان: 29, كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُـونَ الأنبياء: 33؛ ويس: 40.
(111) هلكت الديناصورات منذ حوالي 65 مليون سنة, واكتشفت فوهة نيزكية قطرها حوالي 180 كم بالمكسيك ولها نفس العمر, وعثر بعدة بلدان على طبقة رماد لها نفس العمر؛ وبها الإيريديوم iridium المميز للنيازك, فترجح حدوث ارتطام نيزكي أطلق دخانًا كثيفا منع التمثيل الضوئي وأهلك معظم الأحياء, وفي القرآن الكريم: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السّمَآءُ بِدُخَان ٍ مّبِينٍ. يَغْشَى النّاسَ هََذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ الدخان: 10و11, وفي التفسير عن عبد الله بن أبي مليكة: "غدوت على بن عباس ذات يوم, فقال ما نمت الليلة حتى أصبحت, قلت لم؟, قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب؛ فخشيت أن يكون الدخان قد طرق".
(112) معلوم حاليا أن الأرض كانت ملتهبة عند التكوين؛ وأن معظم دخان الالتهاب كان يتبدد في الفضاء ولا يلحقها في السير؛ حتى استقر أخيرا وكون غلافها الجوي ولازمها في السير, وبالتمثيل ورد في القرآن الكريم: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فصلت: 11؛ والإتيان لازمه الانتقال والسير.
(113) مع صعود حبات البرد ونزولها داخل السحابة تتوزع الشحنات الكهربية, فالبرد هو أساس تكوين البرق, الذي قد يسبب العمى المؤقت من شدة اللمعان, وهو لا يتكون إلا في سحب الركام Cumulus البالغة الارتفاع والغزيرة المطر, وفي القرآن الكريم: أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ النور: 43.
(114) باستخدام أجهزة التصوير المتطورة عُرِفَت آلية البرق؛ حيث تنزل شحنة كهربية سالبة من السحابة لتفتح ممرا سالبا, يجذب شحنة موجبة تصعد راجعة نحو السحابة؛ هي التي تُحدث تفريغ كهربي وبريق شديد, ونتيجة السرعة البالغة كطرفة عين يتوهم المشاهد أن البرق نازل, وفي حديث نبوي برواية مسلم: (ألم تروا إلى البرق كيف يَمُرُّ وَيَرْجِعُ في طرفة عين).
(115) كلما اقترب من يصعد في الجو نحو الفضاء بين الأجرام حيث ينعدم ضغط الهواء والأكسجين؛ يتزايد ضيق صدره مع نقصان الضغط داخل رئتيه, ويتسارع معدل تنفسه مع تناقص الأكسجين كمن في حرجة متشابكة الأغصان يسارع للنجاة, والضيق والحرج وصفان جامعان ذكرهما القرآن الكريم كمثال حسي لحالة المكابر المعنوية الناكر لدلائل الوحي: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ الأنعام: 125.
(116) يتسم الجو Atmosphere بخصائص تحفظ الحياة على الأرض وتدفع عنها الأخطار كالنيازك, وطبقة الأوزون تُرْجِع أكثر الأشعة فوق البنفسجية الضارة إلى الفضاء؛ والغلاف المغناطيسي يُرْجِع الرياح الشمسية الخطرة إلى الفضاء, وطبقة المناخ تُرْجِع بخار الماء مطرًا, والطبقة المتأينة تُرْجِع موجات الراديو إلى الأرض فتسهل الاتصالات اللاسلكية, ويوجز القرآن الكريم كل تلك المنافع المقدرة للغلاف الجوي حولنا في وصف جامع: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ الطارق: 11.
| الصفحة: | 1 | ... | 2 | ... | 3 | ... | 4 | ... | 5 | ... | 6 | ... | 7 | ... | 8 | ... | 9 | ... | 10 | ... | 11 |